رائعة رائحة الشتوة الأولى

كتبهاحلمي الأسمر ، في 7 تشرين الأول 2009 الساعة: 13:27 م

 

رائعة رائحة الشتوة الأولى
 
 رائحة الأرض حين تشرب من ماء السماء، لا مثيل لها، فهي مزيج ساحر من الخصب الأنثوي وعبير القهوة المختلط بضباب كعك العيد، في صباح باكر مشبع بالنعاس، وشهقات أول نظرة، واضطرابات أول دقة قلب، ورائحة قرفة لم تزل على النار، ستُراق احتفاء بصرخة المولود الأولى، إنها إيذان بمولد دهشة، وارتعاشة بتلات وبراعم لم تزل في أكنتها تتمطى وتتهيأ للميلاد!
الشتوة الأولى هذا العام، لها طعم آخر00 شتوة مبكرة، بعد سنوات عجاف نافت على الأربعة، شتوة تبشر ببداية خير، تسقي العطاش، وتدر الضرع وتنبت الزرع!
أخيرا "تحسن الطقس".. وافتر ثغر السماء عن بسمة كستنائية واستثنائية، بسمة اختزلت عطشا معتقا في خوابي القلوب المتحرقة لهبا لدفء الماء وبلل الشوارع، بسمة تجمعت فيها قطرات حلمنا بها وتلألأت في الخاطر: أرغفة خبز ساخنة وشموسا وفلوسا أيضا، وها هي تنهمر في جيوبنا وقلوبنا نبضا يدق بإيقاعات القطرات العاشقة، كما تنبض قلوب العذارى، والمنتظرين على الشبابيك طلة الأحبة!
أخيرا.. تحسن الطقس كما نفهم هذا التحسن، نحن أبناء الفلاحين، لا كما يفهمه كتبة النشرات الجوية، وقراؤها المستدفئون بسخونة الغرف المعقمة واستديوهات التلفزة المكيفة، تحسن الطقس، وتلبدت سماؤنا بالغيوم، وجرت المياه في أقنية القلوب المتيبسة، فتهللت أسارير أطفالنا وشيوخنا، وقالوا: إذن زال غضب السماء، ولو جزئيا، واغرورقت عيونها بالقطر، ونزلت دموع فرحها، أو هكذا نأمل على الأقل، وحتى لو بكت حزنا فهذا أفضل من احتباس الدمع مع وفرة الأحزان!
تحسن الطقس مبكرا هذا العام، وجال عشاق المطر في الشوارع، يستقبلون البلل بشوق ووله، يملأون قلوبهم بأنفاس مشبعة برذاذ الحب، ورائحة لقاء الماء بالتراب، رائحة الشتوة الأولى، التي تنافس في شهوانيتها وغوايتها أذكى وأزكى ما أبدعته أيدي صانعي العطور الباريسية!
بسمة السماء أو دمعتها، لا فرق، ألا ثم دمعا غير دمع الحزن؟ ألا ندعو دموعنا - تفاؤلا وتيمنا- أحيانا بدموع الفرح.. وما هي كذلك؟ لتبك السماء إذن بغزارة، سواء بكت علينا أم من أجلنا، فرحا أو ترحا سيان، فالبكاء خير ونماء، ففيه فرج وتفريغ للشحنات، شحنات قهر مخمر في قلوب المقهورين والمغلوبين على أمرهم، وجلاء لقلوب المحزونين على ما يجدون من هم وغم مقيم، أنى نظروا وحيثما اتجهوا، في الأخبار وفي الواقع، وفي صفحات الماضي التليد!
تحسن الطقس، فليكُف كتبة النشرات الجوية عن قهرنا واستفزازنا، وليتوقفوا عن تحذيرنا كلما هبت رياح المطر وتدثرت سماؤنا بالغيوم الحبلى بالخير، من "سوء الأحوال الجوية!" فهذا السوء هو ما ننتظر، والسوء السوء عندما تنحبس دموع السماء، ويجف ضرع الأرض!
أخيرا تحسنت الأحوال الجوية، وتحول جفاف الرياح الناشفة إلى لثمات حانية مبللة بالحب والشوق المخبأ للنماء والبراعم الغضة، التي تنتظر إطلالة الربيع على أحر من التراب!
 
hilmias@gmail.com
 
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول

<!-- SocialList.org BEGIN -->
<script type="text/javascript">
sociallist_url = location.href;
sociallist_title = document.title;
sociallist_text = '';
sociallist_tags = '';
</script><script type="text/javascript" src="http://sociallist.org/widget.js?type=1&cols=3&rows=5&button_dx=160&button_dy=24&lang=en"></script>
<noscript>
<a href="http://sociallist.org/submit.php?type=1&lang=en&url=refpage&title=refpage&tag=refpage&text=refpage" target="_blank" title="Bookmark this Website"><img src="http://sociallist.org/buttons/en160x24.gif" border="0" width="160" height="24" alt="Bookmark" /></a>
</noscript>
<!-- SocialList.org END -->



web site analytic